الأربعاء، 26 أكتوبر 2016

قراءة نقدية : بقلم الأستاذ صالح هشام /الرباط / المغرب !

قراءة نقدية : بقلم الأستاذ صالح هشام /الرباط / المغرب !
خصائص القافية [أخبروها بأني تائب ]للشاعر أحمد عفيفي !
١-مقدمة :
سأنطلق في هذه القراءة من حيث انتهى قدامة بن جعفر في تعريف الشعر ، في كتابه نقد الشعر ، [الشعر كلام موزون مقفى ] وإن كان هذا التعريف مردود عليه ، فليس كل كلام موزون مقفى يعتبر شعرا وإن ذهب بعض النقاد إلى أن قدامة جاء تعريفه شاملا ولم يعرج على التفاصيل ٠
هناك فرق بين النظم كألفية بن مالك وأجرومية ابن عاشر (كلام موزون مقفى )يستهدف منه تقعيد مسائل نحوية ، أو أصولية ، وهذا ليس موضوعنا ، ما يهمني هو {القافية } ،لمجموعة من الاعتبارات ، إن أغلب الشعراء الشباب لا يعرفون عن بعض خصائصها شيئا وثانيا فهي مبحثي في هذه القراءة لأنها سابقة على علم العروض ، ولحسن حظي أني سبق لي دراستها كمبحث خاص بالقافية في قصيدة للشاعر سليمان عباس ( وطني الجريح ) ووجه الشبه أن الشاعر أحمد عفيفي أيضا اختار لقصيدته قافية متواترة مقيدة لأسباب لا نستعجلها لأنها سترد في تحليلنا لهذا العنصر في القصيدة العمودية على وجه الخصوص !
٢-عرض القصيدة :
[ أخبروها بأني تائب ] قصيدة شعرية عمودية ، تتكون من صدر وعجز ، وأبيات مقفات ، ولن أعرج على ما يتعلق بما هو عروضي لأني أريد التركيز على عنصر القافية وإن كانا عنصرين متلازمين لا يفترقان وقد اشتركا معا في علم واحد هو (علم القافية والعروض ) تنتهي أبيات القصيدة بقافية موحدة ، في أبياتها الثمانية وهذه ميزة محبوبة في الشعر العربي وسنرى لماذا وما هي أسباب ذلك ، ولن أتعرض لاستكشاف المعاني وتفكيك شفراتها لأنها ليست مبحثي ، وأكاد أعتبر هذه القراءة قراءة تطبيقية لمقومات وخصائص القافية في قصيدة ، اعتقدها سهلة القافية ، لان الشاعر اختارها مقيدة متواترة ، وهذه ليست فيها تعقيدات !
٣- عرض القافية :
قبل عرض القافية في هذه القصيدة لا بد من أن نعرج على تعريفها أولا سواء على مستوى اللغة أو الاصطلاح حتى يمكن تقريبها إلى فهم القاريء و تعريفها يركز على محورين أساسيين :
ا- التعريف اللغوي :
وسآخذ من ذلك الأ سهل ودون اللجوء إلى المعاجم كي لا نتوه في التعاريف ، فالقافية اسم فاعل من الفعل ( قفا ، يقفو ) أي تبع فهي إذن تابعة لكلام سابق عنها ، أو أنه يختم بها ، والقفو هو مصدر الفعل (قفا ) ومنه قولهم (ولا تقف (بحذف الواو وضم الفاء ) ما ليس لك به علم ) أي لا تتبع ما ليس لك به علم ، ولا أريد هنا التفصيل بقدر ما أريد الإشارة فقط وتقريب المعنى !
ب-التعريف الاصطلاحي :
ورد في تعاريف علماء القافية والعروض ما يلي : وسأركز على بعض من توفرت لي تعاريفهم سواء كانت مأخوذ بها أو ضعيفة غير معترف بها :
¤الخليل : يرى أنها آخر ساكن في البيت إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن !
¤الاخفش : أما هذا فإنه يعتبرها آخر كلمة في البيت!
¤الفراء وقطرب : فيعتبرانها : الروي ، وإن جرت العادة أن الروي هو آخر حرف في القافية ، أي ما يقف عليه القاريء موسيقيا !
وهناك من حكم ببطلان تعريف الفراء وقطرب ، وما دام علم القافية غير محسوم فيه ، فإن الاختلافات تبقى من الضرورة بمكان في هذا المجال ، وهذا ليس هدفنا في هذه القراءة !
٤- عرض القافية في القصيدة :
إذا أخذنا بتعريف الأخفش ، سنجد أن الشاعر أحمد عفيفي ، اختار نوعين من القافية على مستوى الميزان الصرفي ، إذ ترواحت الكلمات بين صيغ منتهى الجموع ، وأسماء الفاعل ، فصيغ منتهى الجموع هي على التوالي (الرغائب / فعائل ٠٠٠٠٠٠٠عجائب / فعائل ٠٠٠٠٠٠نوائب / فواعل ٠٠٠٠٠٠عواقب /فواعل ٠٠٠٠٠ ) وقد كان المبدع أكثر دقة في في اختيار قوافيه ،وربما تجنبا للوقوع في عيوب القافية التي سنراها في هذه القراءة !
أما أسماء الفاعل فكانت أيضا أربعة أسماء تتفق في الوزن لأنها كلها من أصول ثلاثية وسنعرض لها كالتالي : ( كاتب /عاتب / غائب /صائب وهي كلها على وزن فاعل ) وتتجلى الدقة حتى في طريقة التوظيف وحسب البيت ( 1^4^5^8:: من صيغ منتهى الجموع ) أما الأبيات : (2^3^6^7 :: فقوافيها أسماء للفاعل من الفعل الثلاثي على وزن فعل ) وأعتقد أن الشاعر أحمد عفيفي كان واعيا بهذه الدقة في اختيار القوافي التي تكاد تتفق من الناحية النحوية وتنسجم مع بعضها البعض !
٥-تحديد نوعية القافية :
من خلال تقصينا بحثا و تنقيبا لتحديد أنواع القافية في الشعر وأيضا لتحديد نوع القافية في القصيدة موضوع ، قراءتنا ، وجدت أنها تعتبر حسب تعاريف علماء القافية .قافية [مقيدة مؤسسة واجبة التجرد من الردف ] وسأبين ذلك ، فهي مقيدة لكونها تنتهي بروي ساكن مسبوق بمتحرك قبله حرف لين ساكن ( ٠٠٠اعل (فاعل ) وسأعطي مثالا من خلال :
إن لم أغادر ها هنا وأعود تائب٠٠٠عن زمان الزهد وهدير الرغائب
أو هذا البيت من غير القصيدة :
لا تطلبن دنو دا٠٠٠ر من خليل أو معاشر (بتسكين الراء )
والروي يشترط فيه التسكين ، وسأحاول أن أبين خصائص هذه القافية بعد تفصيل كل خاصية على حدة كما يلي :
٦- حدود القافية :
فهي كما قلنا قافية مقيدة مؤسسة واجبة التجرد من الردف الذي لن يعدو أن يكون حرف علة قبل الروي ،وهي مقيدة لأنها ساكنة الروي وهو حرف صحيح كما سنرى ، وإن كانت جميع الحروف الأبجدية تصلح أن تكون رويا ما عدا حروف اللين أو ما نسميه حروف العلة والتي تعودنا على جمعها في كلمة ( واي) (رغائب ...كاتب....عاتب.....عجائب......نوائب ......غائب .....صائب ...عواقب ...) مع الوقوف على الباء ساكنا هذا الحرف القوي الانفجاري خصوصا إذا تم الوقوف عليه ساكنا كما هو الشأن لحرف القاف ، وسنرى ذلك في مبحث الروي ، من هذه القراءة !
وهي قافية متواترة لكونها تتوفر على حرف متحرك بين ساكنين وهما الروي (الباء " الساكنة والف "ساكنة هي كما سنرى ألف التأسيس :
(ا٠٠/ئ/٠٠ب ) و (ا٠٠/ت/٠٠ب ) وهكذا ذواليك في الأبيات الثمانية التي تتكون منها القصيدة ، والملاحظ أن كل هذه الحروف الواقعة بين ساكنين ،مكسورة فلا هي مضمومة ولا هي مفتوحة ، كما سنرى في دراستنا (للدخيل ) كحرف من أهم حروف القافية !
٧-حروف القافية :
سأركز في هذا المحور على الحروف التي تهمنا في هذه القافية وهي كما يلي:
قافية القصيدة ، مؤسسة واجبة التجرد من الردف ، وذلك للأسباب :
ا- حرف التأسيس : هو حرف لين صائت ، ساكن لكنه يكون هنا ألفا لأن حرف التأسيس ألف ( غا٠٠٠٠ئب ٠٠٠٠ا٠٠٠٠تب ) فهو إذن حرف يفصل بينه وبين الروي حرف صحيح ، نسميه بالدخيل !
ب-الدخيل : هو الحرف الذي يأتي بعده مباشرة روي القصيدة ، ويمكن أن يأتي مفتوحا أو مكسورا ، وقد اختاره الشاعر أحمد عفيفي مكسورا وهو كمايلي ( الهمزة المكسورة والواردة عين وزن القافية على المستوى النحوي ، وكذلك التاء المكسورة والواردة مرتين في قوافي القصيدة ( كاتب ٠٠٠ عاتب / والقاف الواردة مرة واحدة ٠٠ العواقب ) أما الهمزة فقد استعملت خمس مرات كما هو مبين في القصيدة !
ج-الروي : ومادام الروي هو آخر حرف صحيح في البيت ،فقد اختار الشاعر حرف الباء ساكنا انفجاريا احتباسيا ( ئ/ب ) تنطبق في نطقه الشفتان تم تنفرجان فيسمحان لخروج صوت الشاعر من أعماقه ، وهو الذي تبنى عليه القافية موسيقيا ، وتسمى أغلب القصائد بهذا الروي ، فنقول دالية أبي العلاء المعري في قصيدته :
غير مجد في ملتي واعتقادي ٠٠٠٠٠٠ نوح باك ولا ترنم شاد
أو نونية أبي البقاء الرندي في مرثية الأندلس :
لكل شيء إذا ما تم نقصان٠٠٠٠ فلا يغر بطيب العيش إنسان
وهكذا سمى العرب قصائدهم برويها وهذا يدل على ما لهذا الحرف من أهمية قصوى في القصيدة الشعرية العمودية !
ح- التوجيه : وقد أشرت إليه لأنه لن يعدو إلا أن يكون الدخيل أي الهمزة في القافية والتاء والقاف (ئب ٠٠٠٠ تب ٠٠٠قب٠٠) لأنه هو الحرف ما قبل الروي وقد ورد في جميع القوافي صحيحا مكسورا !
٨- ١ عيوب القافية :
من خلال دراستنا للقافية ، يتضح أن الشاعر لم يقع في بعض عيوب القافية ، كما يعرفها علماء القافية ، ورغم عدم أهميتها ما دامت القافية تخلو منها لكن لا بأس من التعرض لها قصد توسيع المعرفةبهذ ا العنصر في القصيدة الشعرية العمودية والتي نجملها :
ا-الإيطاء : لا إيطاء في القافية ، ما دامت كل قافية تستقل بنفسها في الأبيات الشعرية ، ولا تتكرر بلفظها ومعناها !
ب-التضمين : لا تضمين في القافية ، ما دامت كل القوافي في القصيدة تستقل بنفسها ولا ترتبط القافية بصدر البيت التالي حيث لا يكتمل المعنى إلا بما بعدها ، أي ارتباطها بالشطر الموالي ، وسأعطي مثالا للتوضيح من خلال هذين البيتين :
وهم ردوا الجفاز على تميم ٠٠٠٠٠٠ وهم أصحاب عكاظ أني
شهدت لهم موارد صادقات٠٠٠٠شهدن لهم بصدق الود مني
ج- الإقواء والإصراف : لا إقواء ولا إصراف في قوافي القصيدة ما دام الشاعر فضل أن تكون مقيدة متواترة ، أي لا تغيير في حركة الروي لأن الإقواء والإصراف يتصلان أساسا بحركة الروي ضما أو كسرا !
وما سهل مهمتي في قراءة القافية في هذه القصيدة الرائعة والتي لا تختلف عن قصيدة الشاعر السوري سليمان عباس (وطني الجريح ) كونها أيضا تخلو من :
٨-٢ عيوب السناد :
ا-سناد التأسيس : لا يوجد عيب سناد التأسيس في القوافي ما دام الشاعر التزم بألف التأسيس في جميع قوافي الأبيات الشعرية ، ولم تخل منه قافية ، من قوافي القصيدة !
ب- سناد الاشباع : لا (سناد إشباع )مادام الشاعر التزم بالدخيل مكسورا أي ( ئ /ب ٠٠٠ت/ب٠٠٠ق/ب٠٠٠) ولم يغير حركة ما قبل الروي ضما أو فتحا أو كسرا من قافية إلى أخرى !
ج-سناد التوجيه : لا (سناد توجيه )ما دام الشاعرلم يغير حركات ما قبل الروي المقيد ( أي الساكن ) ما بين ضم وكسر أو فتح وضم أو فتح وكسر في بيتين متتاليين !
كل هذه العيوب تخلو منها القافية في هذه القصيدة ، لكون الشاعر أحمد عفيفي اختارها مؤسسة مقيدة متواترة ،كما التزم بالألف حرف تأسيس في جميع القوافي ، وبالدخيل حرفا صحيحا مكسورا وبالروي مقيدا (باء ساكنة) ، ربما هذه الخصائص في القافية هي التي سهلت مأمورية دراستها !
٩- خاتمة : إن دراسة القافية في القصيدة العمودية ، مسألة ضرورية شأنها في ذلك شأن العروض والبحور وما شابه ذلك من مقوماتها ، وأعتقد أننا أصبحنا ننساق وراء دراسة معاني وبعض جماليات القصائد العمودية من محسنات واستعارات ومجازات و نهمل هذا المبحث الهام الذي أرى شخصيا دراسته ضرورة لا محيد عنها ،و اعتذر إذا لوحظت أخطاء في هذه القراءة التطبيقية التي تتسم بالصعوبة وأتمنى أن يشير الأساتذة النقاد إلى ذلك ، في تعاليقهم إذا ظهر لهم عيب من العيوب في هذه الدراسة والتمس الصفح من الشاعر احمد عفيفي لاقتحامي عالمه الشعري الجميل !
بقلم الاستاذ صالح هشام
الاحد 23 اكتوبر 2016
قصيدة شعرية للشاعر أحمد عفيفي / مصر
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠(أخْـبِـرُوهَـا بأنـِّي:تـَائـبْ!!)٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
إنْ لَمْ أُغَادرُ هَاهُنَا , وأعودُ تَـائـبْ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠عَن زَمانِ الـزُّهدِ وهَديـرِ الرَّغَائـبْ
فالـذَّنبُ ذَنبي , وليسَ لِـي:عُـذرٌ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ولَا بَــوحٌ يَـلـيــقُ..بـنَـبـضِ كَـاتـبْ
مَاذا يـضـيرُ عَـنَـادلَ الـعُـشَّـاقِ أنْ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠يحنُوا عَلىَّ وينظُروا أحْوالَ عَـاتـبْ
ألأنـَّني أمسيـتُ:كََـهـلاً..والكُهـولُ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠إذا أحَبَّتْ , يَـنـعـتُـوهَـا:بالعجَـائـب؟
كَمْ كُنتُ أبـسُمُ في الـمَـنَــامِ إذا
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠تَجَلَّى حُـسنُـهَـا , عَـبرَ الـنَّـوائـبْ
وكَمْ رَغـبـتُ بـأن تَـمُــدَّ يَــدَاً إلـىّ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠لأستريحَ بصَدرهَا , والنومُ غَـائـبْ
هَـلْ لـي بـمَـنْ يُـقـرؤهَـا:أنـَّـاتـي
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠وجُرحَ يمٌهجتى من سَهمِ صَـائبْ؟
أخبروهَا ذي -الجُمـانـةُ-كَىْ تَجئَ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠وتُشْفِ قلبي وإلَّا تحتَملُ العَواقبْ!!
الشاعر : أحمد عفيفي ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق